زكريا القزويني

369

عجائب المخلوقات وغرايب الموجودات

للحيوان الكبير فانظر إلى صغر جسمه فإن الطرف يدركها بالشدة لصغره ، ثم إلى رأسه ؛ لأن رأسه لم تكن من جسمه ، وفيه القوة الباصرة والسامعة ثم إلى دماغه . وانظر كم يكون دماغه من رأسه فإن فيها القوى الباطنة الخمسة ؛ لأن فيها الحس المشترك ؛ لأنها ترى الحيوانات فتمشي إليها ، وفيها الخيال ؛ لأنها إذا وقعت على الحيوان تغمس خرطومها ، وإذا وقعت على الحائط لا تفعل ذلك ، وفيها الوهم ؛ لأنه يفرق بين من يقصدها فتهرب وبين من لا يقصدها فتبقى ، وفيها الحافظة ؛ لأنها تجذب الدم وتهرب في الحال لعلمها بأنها أوجعت فيأتيها صدمة المتألم ، وفيها المفكرة ؛ لأنها إذا أحست بحركة يد الإنسان تهرب لعلمها أنها مهلكة وإذا سكنت يده عادت إلى مكانها لعلمها أن المنافي ذهب ، وأن محل الغذاء قد خلا ، ولها خرطوم أدق شيء يمكن أن يقال ، ومع دقته مجوف حتى يجري فيه الدم الرقيق ، وخلق في رأس الخرطوم قوة يضرب بها جلد الفيل والجاموس ينفذ فيهما ، والفيل والجاموس يهربان من البعوض في الماء فسبحان من لا يعرف دقائق حكمه إلّا هو . يؤخذ من البعوض ثلاث وشيء من الصمغ ويحبب ، ويجعل في كل حبة منه واحدة ويبلعها صاحب حمى الربع يوم النوبة ، ولا يضع قدمه على الأرض فإنها تزول بإذن اللّه تعالى . ( ثعبان ) حيوان عظيم الهيئة ذو شكل هائل ومنظر مهاب . قال ابن سينا : أصغر أصنافها على ما ذكر خمسة أذرع ، وأما الكبار فمن ثلاثين ذراعا إلى ما فوق ذلك ، ويكون له عينان كبيرتان وتحت الفك الأسفل شعر كالذقن وله أنياب كثيرة . وقال قوم : إنها تكثر بناحية النوبة والهند ، والهندية كبيرة جدّا ولها وجوه صفر وسود وأفواه شديدة اللسعة وحواجب تغطي عيونها وأعناقها مفلسة . قال ابن سينا : قد رأينا من هذا القبيل ما على حاجبها ورقبتها شعر غليظ ، وذكورها أخبث من إناثها تبتلع ما تجده من الحيوانات فربما كان في الشئ الذي ابتلعته عظم فيأتي جرم شجرة أو حجرا شاهقا فينطوي عليه انطواء شديدا فيتكسر ذلك العظم ، وإذا صار إلى الماء يعيش فيه ويصير مائيّا وإذا صار إلى البر صار بريّا ، بعد أن طال مكثه في الماء ، ويأوي إلى الجبال الشامخة ليستروح ببرد الهواء من شدة وهج حرارة السم .